الجزء الرابع من تحفة الأكياس [4]
النتيجة المترتبة على سوء الظن بالله :
إن سوء الظن بالله تعالى يورث فساد المعتقد بالله سبحانه ، فيصبح المسلم يظن بربه ظن الجاهلية قال تعالى : ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران :154 ].
كما يورث سوء الظن بالله فساد المعتقد ، فإنه يورث أيضا القنوط واليأس من رحمة الله ، فإن الذي يظن بأن الله لاينصر رسله ولا أولياءه ، ولا عباده المؤمنين المخلصين، ولا يستجيب له دعاءه، وأنه يؤيد أعداءه على أوليائه بما عندهم من تقدم مادي فقد ظن به ظن الذين كفروا،وأولئك جزاؤهم النار . قال سبحانه وتعالى:﴿ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النّار﴾[ص:27].
ومن ظن به أنه عاجز غير قادر أورثه ذلك عدم الخوف منه سبحانه ، وإذا تمكنت هذه الخصلة من قلبه وأصبح لا يخاف من الله أورثته غطرسة وتكبرا ، وأصبح حيوانا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، يفسد أكثر مما يصلح فليحذر اللبيب الناصح لنفسه أخذة العزيز الجبار ، إن أخذه شديد أليم فليحسن الظن بربه قبل أن يؤخذ على حين غفلة ، فيكون مصيره النار والعياذ بالله .
الصفحة [2]
حسن الظن بالله :
وليخرج المسلم من سوء الظن بربه فيجعل مكانه حسن الظن بربه ليقابل هذا بذاك ويعتبر ذلك من تمام توبته من تلك الخصلة الذميمة من خصال الكفار والمنافقين .
قال ابن القيم رحمه الله:[1]والاغترار أدى ببعض النّاس إلى الاتكال على قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن ربه أنه قال:<< أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء >>[2] يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به، ولا ريب أن حسن الظن بالله ؛ إنما يكون مع الإحسان ،وهو درجة عظيمة ، وهو : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.[3] فإن المحسن حسّن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه ،بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ومراقبته في السر والعلن ، ظاهرا وباطنا ، فحسّن ظنه لأنه علم أن الله لا يخلف وعده ، ويقبل توبته .
وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم ، والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه ، وهذا موجود في الشاهد ، فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الإساءة ، إحسان الظن أبدا ، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته ، وأحسن الناس ظنا بربهم أطوعهم له ، كما قال الحسن البصري رحمه الله : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل .كيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه ، حال مرتحل في مساخطه ، وما يغصبه ، متعرض للعنته ، قد هان حقه وأمره عليه ، فأضاعه وهان نهيه عليه ، فارتكبه وأصر عليه ؟ وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة ، وعادى أولياءه ، ووالى أعداءه ،
--------------------
1 – في كتابه القيم الداء والدواء [ص36 –37 ]بتصرف يسير .
2 – ذكره الذهبي في كتابه العلو لعلي الغفار، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة [ح 1663] بلفظ آخر فلينظر.
3 – جزء من حديث جبريل المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمر ابن الخطاب .
الصفحة [3]
وجحد صفاته ، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر ؟ وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ، ولا يأمر ولا ينهى ، ولايرضى ، ولا يغضب ، ولا يستجيب ..وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول :﴿ وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ [فصلت : 23 ].
فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا إساءة لظنهم به ، فأرداهم ذلك الظن ، وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ، ووصفه بما لايليق به ، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة ، كان هذا غرورا وخداعا من نفسه ، وتسويلا من الشيطان ، لا إحسان ظن بربه .فتأمل هذا الموضع ، وتأمل شدة الحاجة إليه ، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله ، وأن الله يسمع كلامه ، ويرى مكانه ، ويعلم سره ،وعلانيته ، ولا يخفى عليه خافية من أمره ، وأنه موقوف بين يديه في القريب العاجل ، ومسئول عن كل ما عمل ، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره ، معطل لحقوقه ، وهو مع هذا يحسن الظن به ، وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني ؟ وقد قال أبو أمامة سهل بن حنيف : دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت : لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له ، وكانت عنده ستة دنانير ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله ،ثم سألني عنها فقال: << ما فعلت ؟ أكنت فرقت الستة الدنانير ؟>> فقلت : لا، والله ، لقد كان شغلني وجعك ، قالت فدعا بها فوضعها في كفه ، فقال :<< ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده ؟>> وفي لفظ آخر<< ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده >>[1] .
--------------------
1 -هكذا وردت في لفظ الحديث بلام التعريف .والحديث أخرجه ابن حبان [ح2141]وأحمد [ج6/104] وحكم بصحته لشواهده وكثرة طرقه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة [ح2653].
الصفحة [4]
فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر ، والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم ؟ فإن كان ينفعهم قولهم : حسّنا ظنونا بك أنك لن تعذب ظالما ولا فاسقا ، فليصنع العبد ما شاء ، وليرتكب كل ما نهاه عنه ، وليحسن ظنه بالله ، فإن النار لا تمسه ، فسبحان الله !! ما يبلغ الغرور بالعبد ، وقد قال إبراهيم لقومه :
﴿ أئفكا ءالهة دون الله تريدون ، فما ظنكم برب العالمين ﴾ [الصافات :86- 87 ]. أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره .
حسن الظن بالله هو حسن الطاعة والعمل :
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه ، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه ، أنه يجازيه على أعماله ويثبه عليها ويتقبلها منه ، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن ، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله ، وإلا فحسن الظن مع إتباع الهوى عجز ، كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :<< الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله >> [1].وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن .وقال سعيد بن جبير : الاعترار بالله المقتم على الذنب . ذكره السخاوي في مقاصده [ص329].
------------------------
1 – الحديث ضعيف رواه الترمذي ، وحسنه بعضهم كالنووي في أربعينياته ،والسخاوي في المقاصد الحسنة [ص329]وعزاه للحاكم في المستدرك والعسكري والقضاعي من حديث ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس به مرفوعاوقال الحاكم صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واه وقال العسكري : هذا الحديث فيه رد على المرجئة .
يتبع إن شاء الله ...