المجلة  ::  المنتدى  ::  التسجيل  ::  البحث
 

العودة   منتديات التربية النبوية > العلاقات الاجتماعية > الــعــلاقــات الاجــتــمــاعــيــة
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #11  
قديم 03-11-2009, 11:15 AM
أبوبكر يوسف لعويسي أبوبكر يوسف لعويسي غير متواجد حالياً
(( تـــــربــــوي مــتــــمـــيـــز ))
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 110
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوبكر يوسف لعويسي
Lightbulb

الجزء الرابع من تحفة الأكياس [4]
النتيجة المترتبة على سوء الظن بالله :
إن سوء الظن بالله تعالى يورث فساد المعتقد بالله سبحانه ، فيصبح المسلم يظن بربه ظن الجاهلية قال تعالى : ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران :154 ].
كما يورث سوء الظن بالله فساد المعتقد ، فإنه يورث أيضا القنوط واليأس من رحمة الله ، فإن الذي يظن بأن الله لاينصر رسله ولا أولياءه ، ولا عباده المؤمنين المخلصين، ولا يستجيب له دعاءه، وأنه يؤيد أعداءه على أوليائه بما عندهم من تقدم مادي فقد ظن به ظن الذين كفروا،وأولئك جزاؤهم النار . قال سبحانه وتعالى:﴿ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النّار[ص:27].
ومن ظن به أنه عاجز غير قادر أورثه ذلك عدم الخوف منه سبحانه ، وإذا تمكنت هذه الخصلة من قلبه وأصبح لا يخاف من الله أورثته غطرسة وتكبرا ، وأصبح حيوانا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، يفسد أكثر مما يصلح فليحذر اللبيب الناصح لنفسه أخذة العزيز الجبار ، إن أخذه شديد أليم فليحسن الظن بربه قبل أن يؤخذ على حين غفلة ، فيكون مصيره النار والعياذ بالله .


الصفحة [2]
حسن الظن بالله :
وليخرج المسلم من سوء الظن بربه فيجعل مكانه حسن الظن بربه ليقابل هذا بذاك ويعتبر ذلك من تمام توبته من تلك الخصلة الذميمة من خصال الكفار والمنافقين .
قال ابن القيم رحمه الله:[1]والاغترار أدى ببعض النّاس إلى الاتكال على قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن ربه أنه قال:<< أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء >>[2] يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به، ولا ريب أن حسن الظن بالله ؛ إنما يكون مع الإحسان ،وهو درجة عظيمة ، وهو : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.[3] فإن المحسن حسّن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه ،بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ومراقبته في السر والعلن ، ظاهرا وباطنا ، فحسّن ظنه لأنه علم أن الله لا يخلف وعده ، ويقبل توبته .
وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم ، والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه ، وهذا موجود في الشاهد ، فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الإساءة ، إحسان الظن أبدا ، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته ، وأحسن الناس ظنا بربهم أطوعهم له ، كما قال الحسن البصري رحمه الله : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل .كيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه ، حال مرتحل في مساخطه ، وما يغصبه ، متعرض للعنته ، قد هان حقه وأمره عليه ، فأضاعه وهان نهيه عليه ، فارتكبه وأصر عليه ؟ وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة ، وعادى أولياءه ، ووالى أعداءه ،
--------------------
1 – في كتابه القيم الداء والدواء [ص36 –37 ]بتصرف يسير .
2 – ذكره الذهبي في كتابه العلو لعلي الغفار، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة [ح 1663] بلفظ آخر فلينظر.
3 – جزء من حديث جبريل المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمر ابن الخطاب .

الصفحة [3]
وجحد صفاته ، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر ؟ وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ، ولا يأمر ولا ينهى ، ولايرضى ، ولا يغضب ، ولا يستجيب ..وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول :﴿ وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ [فصلت : 23 ].
فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا إساءة لظنهم به ، فأرداهم ذلك الظن ، وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ، ووصفه بما لايليق به ، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة ، كان هذا غرورا وخداعا من نفسه ، وتسويلا من الشيطان ، لا إحسان ظن بربه .فتأمل هذا الموضع ، وتأمل شدة الحاجة إليه ، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله ، وأن الله يسمع كلامه ، ويرى مكانه ، ويعلم سره ،وعلانيته ، ولا يخفى عليه خافية من أمره ، وأنه موقوف بين يديه في القريب العاجل ، ومسئول عن كل ما عمل ، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره ، معطل لحقوقه ، وهو مع هذا يحسن الظن به ، وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني ؟ وقد قال أبو أمامة سهل بن حنيف : دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت : لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له ، وكانت عنده ستة دنانير ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله ،ثم سألني عنها فقال: << ما فعلت ؟ أكنت فرقت الستة الدنانير ؟>> فقلت : لا، والله ، لقد كان شغلني وجعك ، قالت فدعا بها فوضعها في كفه ، فقال :<< ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده ؟>> وفي لفظ آخر<< ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده >>[1] .
--------------------
1 -هكذا وردت في لفظ الحديث بلام التعريف .والحديث أخرجه ابن حبان [ح2141]وأحمد [ج6/104] وحكم بصحته لشواهده وكثرة طرقه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة [ح2653].

الصفحة [4]
فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر ، والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم ؟ فإن كان ينفعهم قولهم : حسّنا ظنونا بك أنك لن تعذب ظالما ولا فاسقا ، فليصنع العبد ما شاء ، وليرتكب كل ما نهاه عنه ، وليحسن ظنه بالله ، فإن النار لا تمسه ، فسبحان الله !! ما يبلغ الغرور بالعبد ، وقد قال إبراهيم لقومه :
﴿ أئفكا ءالهة دون الله تريدون ، فما ظنكم برب العالمين ﴾ [الصافات :86- 87 ]. أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره .
حسن الظن بالله هو حسن الطاعة والعمل :
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه ، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه ، أنه يجازيه على أعماله ويثبه عليها ويتقبلها منه ، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن ، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله ، وإلا فحسن الظن مع إتباع الهوى عجز ، كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :<< الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله >> [1].وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن .وقال سعيد بن جبير : الاعترار بالله المقتم على الذنب . ذكره السخاوي في مقاصده [ص329].
------------------------
1 – الحديث ضعيف رواه الترمذي ، وحسنه بعضهم كالنووي في أربعينياته ،والسخاوي في المقاصد الحسنة [ص329]وعزاه للحاكم في المستدرك والعسكري والقضاعي من حديث ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس به مرفوعاوقال الحاكم صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واه وقال العسكري : هذا الحديث فيه رد على المرجئة .
يتبع إن شاء الله ...

التعديل الأخير تم بواسطة : أبوبكر يوسف لعويسي بتاريخ 03-11-2009 الساعة 11:18 AM.
رد مع اقتباس

  #12  
قديم 03-11-2009, 11:20 AM
أبوبكر يوسف لعويسي أبوبكر يوسف لعويسي غير متواجد حالياً
(( تـــــربــــوي مــتــــمـــيـــز ))
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 110
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوبكر يوسف لعويسي
Lightbulb

الجزء الجامس[5]
الفرق بين حسن الظن بالله والغرور :
فإن قيل : بل يتأتى ذلك ، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته ، وعفوه ، وجوده ، وأن رحمته سبقت غضبه ، وأنه لا تنفعه العقوبة ، ولا يضره العفو .
قيل : الأمر هكذا ، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ، ولكن إنما يصنع ذلك في محله اللائق به ، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة ، والعزة ، والانتقام ، وشدة البطش ، وعقوبة من يستحق العقوبة ، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر ، والمؤمن والكفار ، ووليه وعدوه ، فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته ، وقد باء بسخطه وغضبه ، وتعرض للعنته ، ووقع في محارمه ، وانتهك حرماته ، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع ، وبدل السيئة بالحسنة ، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ، ثم أحسن الظن بعدها ، فهذا هو حسن الظن ، والأول غرور ، والله المستعان وعليه التكلان .ولا تستطل هذا الفصل ، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد لا يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به سبحانه ، قال تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾ [البقرة :218].فجعل هؤلاء أهل الرجاء لا البطالين والفاسقين والظالمين ،قال تعالى : ﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل :110].فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء لغفور رحيم لمن فعلها ، فالمؤمن وضع حسن الظن موضعه ، والرجاء موضعه ، والمغرور وضعه في غير محله .قال الحسن البصري رحمه الله : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة يقول أحدهم : لأني أحسن الظن بربي ، وكذب ، لو أحسن الظن لأحسن العمل .
ولعله بهذا تبين لك الفرق بين حسن الظن والغرور ، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه ، وساق إليه فهو صحيح ، وإن دعا إلى البطالة ، والانهماك في المعاصي والشهوات فهو غرور ، وحسن الظن هو العمل مع الرجاء ، فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة ، وزاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح ، ومن كانت بطالته رجاء ، ورجاؤه بطالة وتفريطا في جنب
الله فهو الغرور بربه . ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴾؟ويتضح الفرق جليا بهذه الأمثلة : [1] فلو أن رجلا كانت له لأرض يأمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه ، فأهملها ولم يحرثها ، وحسن ظنه بأنه يأتي مغلها ما يأتي من حرث أرضه وبذرها وسقاها ، وتعاهدها لعده الناس من أسفه السفهاء .
وكذلك لو حسّن ظنه وقوى رجاءه بأن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب للعلم وحرص تام عليه ، وأمثال ذلك لعده الناس مخبول العقل ، وسفيه الرأي ، فكذلك من حسّن ظنه وقوّى رجاءه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم المقيم ، من غير تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه وبالله التوفيق .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وكثيرة جدا ، قلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ، ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن ، لأن حسن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه ، وكرامته فيأتي العبد بها على وجهها المطلوب ثم يحسن ظنه بربه ، ويرجوه أن لا يكله إليه ، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه ويضرب عما يعارضها ويبطل أثرها .

--------------------
1 – الداء والدواء لابن قيم الجوزية [54،55]بتصرف يسير .
يتبع إن شاء الله ...
رد مع اقتباس

  #13  
قديم 09-01-2010, 01:32 PM
أبوبكر يوسف لعويسي أبوبكر يوسف لعويسي غير متواجد حالياً
(( تـــــربــــوي مــتــــمـــيـــز ))
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 110
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوبكر يوسف لعويسي
Lightbulb

تتمة للموضوع:
النتيجة المترتبة على سوء الظن بالله :
إن سوء الظن بالله تعالى يورث فساد المعتقد بالله سبحانه ، فيصبح المسلم يظن بربه ظن الجاهلية قال تعالى : ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران :154 ].
كما يورث سوء الظن بالله فساد المعتقد ، فإنه يورث أيضا القنوط واليأس من رحمة الله ، فإن الذي يظن بأن الله لاينصر رسله ولا أولياءه ، ولا عباده المؤمنين المخلصين، ولا يستجيب له دعاءه، وأنه يؤيد أعداءه على أوليائه بما عندهم من تقدم مادي فقد ظن به ظن الذين كفروا،وأولئك جزاؤهم النار . قال سبحانه وتعالى:﴿ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النّار[ص:27].
ومن ظن به أنه عاجز غير قادر أورثه ذلك عدم الخوف منه سبحانه ، وإذا تمكنت هذه الخصلة من قلبه وأصبح لا يخاف من الله أورثته غطرسة وتكبرا ، وأصبح حيوانا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، يفسد أكثر مما يصلح فليحذر اللبيب الناصح لنفسه أخذة العزيز الجبار ، إن أخذه شديد أليم فليحسن الظن بربه قبل أن يؤخذ على حين غفلة ، فيكون مصيره النار والعياذ بالله .
حسن الظن بالله :
وليخرج المسلم من سوء الظن بربه فيجعل مكانه حسن الظن بربه ليقابل هذا بذاك ويعتبر ذلك من تمام توبته من تلك الخصلة الذميمة من خصال الكفار والمنافقين .
قال ابن القيم رحمه الله:[1]والاغترار أدى ببعض النّاس إلى الاتكال على قوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن ربه أنه قال:<< أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء >>[2] يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به، ولا ريب أن حسن الظن بالله ؛ إنما يكون مع الإحسان ،وهو درجة عظيمة ، وهو : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.[3] فإن المحسن حسّن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه ،بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ومراقبته في السر والعلن ، ظاهرا وباطنا ، فحسّن ظنه لأنه علم أن الله لا يخلف وعده ، ويقبل توبته .
وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم ، والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه ، وهذا موجود في الشاهد ، فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الإساءة ، إحسان الظن أبدا ، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته ، وأحسن الناس ظنا بربهم أطوعهم له ، كما قال الحسن البصري رحمه الله : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل .كيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه ، حال مرتحل في مساخطه ، وما يغصبه ، متعرض للعنته ، قد هان حقه وأمره عليه ، فأضاعه وهان نهيه عليه ، فارتكبه وأصر عليه ؟ وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة ، وعادى أولياءه ، ووالى أعداءه ،
--------------------
1 – في كتابه القيم الداء والدواء [ص36 –37 ]بتصرف يسير .
2 – ذكره الذهبي في كتابه العلو لعلي الغفار، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة [ح 1663] بلفظ آخر فلينظر.
3 – جزء من حديث جبريل المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمر ابن الخطاب .

الصحفة [2]
وجحد صفاته ، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر ؟ وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ، ولا يأمر ولا ينهى ، ولايرضى ، ولا يغضب ، ولا يستجيب ..وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول :﴿ وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾ [فصلت : 23 ].
فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا إساءة لظنهم به ، فأرداهم ذلك الظن ، وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ، ووصفه بما لايليق به ، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة ، كان هذا غرورا وخداعا من نفسه ، وتسويلا من الشيطان ، لا إحسان ظن بربه .فتأمل هذا الموضع ، وتأمل شدة الحاجة إليه ، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله ، وأن الله يسمع كلامه ، ويرى مكانه ، ويعلم سره ،وعلانيته ، ولا يخفى عليه خافية من أمره ، وأنه موقوف بين يديه في القريب العاجل ، ومسئول عن كل ما عمل ، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره ، معطل لحقوقه ، وهو مع هذا يحسن الظن به ، وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني ؟ وقد قال أبو أمامة سهل بن حنيف : دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت : لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له ، وكانت عنده ستة دنانير ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله ،ثم سألني عنها فقال: << ما فعلت ؟ أكنت فرقت الستة الدنانير ؟>> فقلت : لا، والله ، لقد كان شغلني وجعك ، قالت فدعا بها فوضعها في كفه ، فقال :<< ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده ؟>> وفي لفظ آخر<< ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده >>[1] .
--------------------
1 -هكذا وردت في لفظ الحديث بلام التعريف .والحديث أخرجه ابن حبان [ح2141]وأحمد [ج6/104] وحكم بصحته لشواهده وكثرة طرقه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة [ح2653].

الصفحة [3]
فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر ، والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم ؟ فإن كان ينفعهم قولهم : حسّنا ظنونا بك أنك لن تعذب ظالما ولا فاسقا ، فليصنع العبد ما شاء ، وليرتكب كل ما نهاه عنه ، وليحسن ظنه بالله ، فإن النار لا تمسه ، فسبحان الله !! ما يبلغ الغرور بالعبد ، وقد قال إبراهيم لقومه :
﴿ أئفكا ءالهة دون الله تريدون ، فما ظنكم برب العالمين ﴾ [الصافات :86- 87 ]. أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره .

التعديل الأخير تم بواسطة : أبوبكر يوسف لعويسي بتاريخ 09-01-2010 الساعة 01:35 PM.
رد مع اقتباس

  #14  
قديم 09-01-2010, 01:38 PM
أبوبكر يوسف لعويسي أبوبكر يوسف لعويسي غير متواجد حالياً
(( تـــــربــــوي مــتــــمـــيـــز ))
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 110
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوبكر يوسف لعويسي
Lightbulb

تتممة للموضوع
حسن الظن بالله هو حسن الطاعة والعمل :
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه ، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه ، أنه يجازيه على أعماله ويثبه عليها ويتقبلها منه ، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن ، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله ، وإلا فحسن الظن مع إتباع الهوى عجز ، كما في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :<< الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله >> [1].وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن .وقال سعيد بن جبير : الاعترار بالله المقتم على الذنب . ذكره السخاوي في مقاصده [ص329].
------------------------
1 – الحديث ضعيف رواه الترمذي ، وحسنه بعضهم كالنووي في أربعينياته ،والسخاوي في المقاصد الحسنة [ص329]وعزاه للحاكم في المستدرك والعسكري والقضاعي من حديث ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس به مرفوعاوقال الحاكم صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واه وقال العسكري : هذا الحديث فيه رد على المرجئة .
الصفحة [2]
الفرق بين حسن الظن بالله والغرور :
فإن قيل : بل يتأتى ذلك ، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته ، وعفوه ، وجوده ، وأن رحمته سبقت غضبه ، وأنه لا تنفعه العقوبة ، ولا يضره العفو .
قيل : الأمر هكذا ، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ، ولكن إنما يصنع ذلك في محله اللائق به ، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة ، والعزة ، والانتقام ، وشدة البطش ، وعقوبة من يستحق العقوبة ، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر ، والمؤمن والكفار ، ووليه وعدوه ، فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته ، وقد باء بسخطه وغضبه ، وتعرض للعنته ، ووقع في محارمه ، وانتهك حرماته ، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع ، وبدل السيئة بالحسنة ، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ، ثم أحسن الظن بعدها ، فهذا هو حسن الظن ، والأول غرور ، والله المستعان وعليه التكلان .ولا تستطل هذا الفصل ، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد لا يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به سبحانه ، قال تعالى : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾ [البقرة :218].فجعل هؤلاء أهل الرجاء لا البطالين والفاسقين والظالمين ،قال تعالى : ﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ [النحل :110].فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء لغفور رحيم لمن فعلها ، فالمؤمن وضع حسن الظن موضعه ، والرجاء موضعه ، والمغرور وضعه في غير محله .قال الحسن البصري رحمه الله : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة يقول أحدهم : لأني أحسن الظن بربي ، وكذب ، لو أحسن الظن لأحسن العمل .
ولعله بهذا تبين لك الفرق بين حسن الظن والغرور ، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه ، وساق إليه فهو صحيح ، وإن دعا إلى البطالة ، والانهماك في المعاصي والشهوات فهو غرور ، وحسن الظن هو العمل مع الرجاء ، فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة ، وزاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح ، ومن كانت بطالته رجاء ، ورجاؤه بطالة وتفريطا في جنب الله فهو الغرور بربه . ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴾؟ويتضح الفرق جليا بهذه الأمثلة : [1] فلو أن رجلا كانت له لأرض يأمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه ، فأهملها ولم يحرثها ، وحسن ظنه بأنه يأتي مغلها ما يأتي من حرث أرضه وبذرها وسقاها ، وتعاهدها لعده الناس من أسفه السفهاء .
وكذلك لو حسّن ظنه وقوى رجاءه بأن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب للعلم وحرص تام عليه ، وأمثال ذلك لعده الناس مخبول العقل ، وسفيه الرأي ، فكذلك من حسّن ظنه وقوّى رجاءه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم المقيم ، من غير تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه وبالله التوفيق .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وكثيرة جدا ، قلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ، ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن ، لأن حسن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه ، وكرامته فيأتي العبد بها على وجهها المطلوب ثم يحسن ظنه بربه ، ويرجوه أن لا يكله إليه ، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه ويضرب عما يعارضها ويبطل أثرها .

--------------------
1 – الداء والدواء لابن قيم الجوزية [54،55]بتصرف يسير .
رد مع اقتباس

  #15  
قديم 10-01-2010, 11:02 AM
غيث غيث غير متواجد حالياً
تربوي فعال
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 171
افتراضي


لقد انشرحت أسارير الظانين بالله ظن الخير، وأشرقت لهم الحياة.

وهذا البيت يعبر عن انشراح النفس مع وجود الكرب عندما أحسن الظن بربه تبارك وتعالى

ولي أمل في الله تحيا به المنى <<<>>>> ويشرق وجه الظن والخطب كاشر

اللهم ارزقنا حُسن الظن بك يا رب العالمين
__________________
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

قال تعالى
( إنا جعلنا ما على الإرض زينة لها، لنبلوهم أيهم أحسن عملا )
رد مع اقتباس

  #16  
قديم 06-02-2010, 02:00 PM
خالد خالد غير متواجد حالياً
تربوي فعال
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 127
افتراضي

جزاك الله خيرا سيخ يوسف
ونفع الله بكم وبعلمكم وكتب لكم جزيل الأجر ولوالديك وأهلك أجمعين
__________________

======================

وما بكم من نعمة فمن الله ++ فاشكر الله يا عبدالله
رد مع اقتباس

  #17  
قديم 05-03-2010, 11:48 PM
أبوبكر يوسف لعويسي أبوبكر يوسف لعويسي غير متواجد حالياً
(( تـــــربــــوي مــتــــمـــيـــز ))
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 110
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوبكر يوسف لعويسي
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله
أخي غيث ، وخالد ، جزاكما الله خيرا وبارك فيكما على مروركم الطيب وأسأله سبحانه أن يرزقنا سحن الظن به وبالمسلمين وأن يتقبلنا وإياكم في عباده الصالحين .
رد مع اقتباس

  #18  
قديم 11-03-2010, 11:07 PM
الخنساء الخنساء غير متواجد حالياً
تربوي فعال
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 157
افتراضي

ما أجمل إحسان الظن بالله

جزاك الله خيرا على هذا الموضوع

ولقد وفقت فيه عرضا واستدلالا
رد مع اقتباس

  #19  
قديم 23-03-2010, 10:05 PM
المدينة المدينة غير متواجد حالياً
تربوي مشارك
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 48
افتراضي



اللهم ارزقنا حُسن الظن بك يا رب العالمين

فيا أيها المسلم أحسن ظنك بربك الكريم الذي خلقك فعدلك

وخذ بالأسباب وتوكل عليه إن الله يحب المتوكلين

وادعوه وأكثر من الدعاء والإلحاح عليه

وإياك والتواكل ، فإن التواكل هو ترك الأسباب

قال تعالى (فإذا عزمت فتوكل على الله)
رد مع اقتباس

رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 12:50 PM بتوقيت المملكة

 

Powered by vBulletin® Version 3.6.8, Copyright ©2000 - 2010
  Jelsoft Enterprises Limited.
Designed by © Modernsys.net